محمود توفيق محمد سعد

203

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

وفي تبيان علاقة اسم سورة النحل بمقصودها يقول من بعد بيانه أنّ مقصودها الأعظم : التدليل بنعم اللّه سبحانه وتعالى على وحدانيته وكمال علمه وقدرته واختياره وتنزهه عن شوائب النقص : " وأدلّ ما فيها على هذا المعنى أمر النّحل لما ذكر من أمرها من دقة الفهم في ترتيب بيوتها ورعيها وسائر أمرها من اختلاف ألوان ما يخرج منها من أعسالها وجعله شفاء مع أكلها من الثمار النافعة والضّارة وغير ذلك من الأمور . ووسمها بالنعم واضح في ذلك ، واللّه أعلم " « 1 » وإذا ما نظرت في الآيات المتحدثة عن النحل " في هذه السورة : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( النحل : 68 - 69 ) رأيت أنّها بدأت بأمر الإيحاء إلى النحل ، وهذا في نفسه دليل على كمال العلم وكمال القدرة على الإيحاء لما شاء ومن شاء ، وما أوحي إلى النحل فيه من العلم الذي يحقق لها أمنها وسعادتها في حياتها مما هو معلوم مشهور بين البشر مؤمنهم وكافرهم ، فإذا كان هذا لا مرية فيه فإن الإيحاء إلى أفضل العالمين لا يكون إلا بما هو أعظم تحقيقا لأمن العباد وسعادتهم في الدارين ، ولا يفعل ذلك إلا إله واحد عالم قادر مختار منزه عن شوائب النقصان إن تدبر حال النحل دالّ دلالة بيّنة على أنّ الذي خلقها وأوحى إليها إنّما هو الواحد العليم القدير المختار ، فكانت هذه الآية وتلك النعمة من أقوى الأدلة على تقرير مقصود السورة ، فإنّك لا تجد أحدا ينازع فيما اختصت به النحل من خصائص مبهرة من أظهر سماتها العلم والنظام والقدرة على تحقيق المراد . وتسمية السورة بسورة " النعم " يكتفي البقاعيّ في تأويله وتعليله بقوله : " وتسميتها بالنعم واضح في ذلك " هذا الوضوح كوضوح تسميتها " النحل " إلا أن جهة الوضوح مختلفة : وضوح الدلالة في التسمية بالنحل مما عرف واشتهر عند العامة والخاصة من شأن النّحل الذي أشرت إليه قبل

--> ( 1 ) - السابق : 11 / 101